مناع القطان

257

مباحث في علوم القرآن

- 17 - إعجاز القرآن هذا الكون الفسيح الذي يعج بمخلوقات اللّه تضاءلت جباله الشامخة ، وبحاره الزاخرة ، ومهاده الواسعة ، أمام مخلوق ضعيف هو الإنسان ، ذلك لما جمع اللّه فيه من خصائص ، وما منحه من قوة التفكير التي تشع في الأرجاء لتسخر عناصر القوى الكونية ، وتجعلها في خدمة الإنسانية . وما كان اللّه ليذر هذا الإنسان دون أن أن يمده بقبس من الوحي بين فترة وأخرى يقوده إلى معالم الهدى ليسلك دروب الحياة على بينة وبصيرة ، إلا أن غلواءه الفطري يأبى عليه الخضوع لقرينه من بني الإنسان ما لم يأت له بما لا يستطيع حتى يعترف ويخضع ويؤمن بقدرة عليا فوق قدرته ، فكان رسل اللّه الذين يتنزل عليهم الوحي ويؤيدهم اللّه بخوارق العادات التي تقيم الحجة على الناس فيعترفون أمامها بالعجز ، ويدينون لها بالولاء والطاعة ، ولكن العقل البشري كان في أطوار نموه الأولى لا يرى شيئا يأخذ بلبه أقوى من المعجزات الكونية الحسية حيث لا يرقى عقله إلى السمو في المعرفة والتفكير ، فناسب هذا أن يبعث كل رسول إلى قومه خاصة ، وأن تكون معجزته فيما نبغ فيه قومه خارقة لما ألفوه ليتحقق بعجزهم عنها إيمانهم بأنها من قوى السماء ، فلما اكتمل العقل البشري أذن اللّه بفجر الرسالة المحمدية الخالدة إلى الناس كافة ، وكانت معجزتها معجزة العقل البشري في أرقى تطورات نضجه ونموه ، فبينما كان تأييد اللّه لرسله